محمد متولي الشعراوي

753

تفسير الشعراوي

كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق ، ولا نتحرك لمقتل برئ ؟ إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول : إياك أن تقتل أحدا لأنك ستقتل إن قتلته ، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل . إن في تشريع القصاص استبقاء لحياتكم ؛ لأنكم حين تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئا وستقتلون بفعلكم فسوف تمتنعون عن القتل ، فكأنكم حقنتم دماءكم . وذلك هو التشريع العالي العادل . وفي القصاص حياة ؛ لأن كل واحد عليه القصاص ، وكل واحد له القصاص ، إنه التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولى الألباب الذين يعرفون الجوهر المراد من الأشياء والأحكام ، أما غير أولى الألباب فهم الذين يجادلون في الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها ، فلولا القصاص لما ارتدع أحد ، ولولا القصاص لغرقت البشرية في الوحشية . إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع الجريمة وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع الواجب . إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا على سبيل المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظميين كلتاهما تخشى الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى ، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من الشعوب ، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما ، وكان في ذلك دمار العالم ، واستعباد لبقية الشعوب . وإذا كان كل نظام من نظم العالم يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه لكنه يخشى قوة النظام الآخر ، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين ، وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقى العلمي ليقدموا للدنيا أسلوبا لائقا بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج اللّه . وعندما حدث اندثار لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتى ، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن نقيض لها ؛ لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها ، قد يجرىء الصغار عليها . إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم ، والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضا .